محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
101
الآداب الشرعية والمنح المرعية
لم يحرم علينا هذا الحيوان كما أن بعض أفراد الجنس الواحد قد يكون محرما إجماعا بغصب أو غيره وهو داخل في جملة ما امتن به علينا بلا شك ، فإذا كان هذا في السبب المحرم فكيف بهذا السبب المكروه المأذون فيه في الجملة ، ثم لو سلم هذا في السبب المحرم هنا فلا نسلمه في المكروه ، ويحسن الامتنان معه لأن الشارع أذن فيه في الجملة فلم يفعل المكلف إلا ما وسع الشارع عليه فيه ، ثم لو سلم ذلك فالمراد بالآية الكريمة غير ما دلت عليه السنة المطهرة جمعا بين كتاب اللّه وسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومعلوم أنه أولى من التعارض والإلغاء . وهذا إن كان المراد بالآية أنه سبحانه امتن على عباده بكل فرد فرد ، وإن كان المراد الجنس فلا يلزم كل فرد فرد كقولهم : الرجل خير من المرأة فيصح إن أريد الجنس لا على تقدير إرادة عموم الجنس فكل رجل ليس هو خيرا من كل امرأة . وأما ركوبه صلّى اللّه عليه وسلّم البغلة فأضعف في الدلالة لعدم الامتنان فيه وليس فيه تعرض للسبب بوجه وقد يكون فعل ذلك لحاجته إليها ولم يتيسر له غيرها وقد يكون فعله بيانا وتعليما لمن قد يخفى عليه حكم هذا الحيوان لأن هذا الحيوان ليس وقوع مثله كثيرا عندهم ليكون حكمه مشهورا لا يخفى وقد يكون فعله بيانا لجواز قبول هدايا المشركين والانتفاع بأموالهم ودوام ذلك ليشتهر فيبلغهم يتألفهم بذلك رجاء خيرهم وكفا لشرهم ، وقد فعل ذلك ليتبين به غاية الشجاعة إذا حضر به الجهاد لأن هذا الحيوان لا يكر ولا يفر إن طلب لم يدرك وإن طلب أدرك كما جرى له صلّى اللّه عليه وسلّم يوم هوازن وهو على بغلته وقد انكشف عنه أصحابه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي اللّه عنهم وهو يقول " 1 " : " أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب " وهذا غاية الشجاعة ، ومع هذه الاحتمالات وغيرها فكيف يحتج بهذا الفعل لا سيما مع ما سبق عنه من البيان الخاص في هذا الفعل الخاص والجمع أولى من التعارض والإلغاء ، وأما القياس فالكلام عليه وعلى فساده واضح واللّه أعلم . فصل في كراهة تعليق الأجراس والأوتار على الدواب والبهائم وما تبعد عنه الملائكة ويكره تعليق جرس أو وتر على الدواب والبهائم والجمال والخيل والبغال ونحوها للخبر وهو عن أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعا " 2 " : " لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب أو جرس "
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 2864 ) ومسلم ( الجهاد / 78 ، 79 ، 80 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( اللباس والزينة / 2113 ) .